محمد بن جرير الطبري

227

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن أيوب وابن عون ، عن محمد قال : قال شريح : الاعتزال من الحائض له ما فوق سرتها . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، قال : سئل سعيد بن المسيب : ما للرجل من الحائض الاعتزال من الحائض ؟ قال : ما فوق الإِزار . وعلة من قال هذه المقالة في حال حيضهن ما بين السرة إلى الركبة صحة الخبر عن الاعتزال من الحائض رسول الله صلى الله عليه وسلم بما : حدثني به ابن أبي الشوارب ، قال : ثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : ثنا سليمان الشيباني وحدثني أبو السائب ، قال : حدثنا حفص ، قال : ثنا الشيباني ، قال : ثنا عبد الله بن شداد بن الهاد ، قال : سمعت ميمونة ، تقول : " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهي حائض الاعتزال من الحائض أمرها فاتزرت " . حدثنا المثنى ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن الشيباني ، عن عبد الله بن شداد ، عن ميمونة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشرها وهي حائض الاعتزال من الحائض فوق الإِزار " . حدثني سفيان بن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأَسود ، عن عائشة ، قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضا الاعتزال من الحائض أمرها فاتزرت بإزار ثم يباشرها . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن الشيباني ، عن عبد الرحمن بن الأَسود ، عن أبيه الأَسود ، عن عائشة ، قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضا الاعتزال من الحائض أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأتزر ثم يباشرها . ونظائر ذلك من الأَخبار التي يطول باستيعاب ذكر جميعها الكتاب قالوا : فما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فجائز ، وهو مباشرة الحائض ما دون الإِزار وفوقه ، وذلك دون الركبة وفوق السرة ، وما عدا ذلك من جسد الحائض فواجب اعتزاله لعموم الآية . وأولى الأَقوال في ذلك بالصواب قول من قال : إن للرجل من امرأته الحائض الاعتزال من الحائض ما فوق المؤتزر ودونه لما ذكرنا من العلة لهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم : حَتَّى يَطْهُرْنَ بضم الهاء وتخفيفها ، وقرأه آخرون بتشديد الهاء وفتحها . وأما الذين قرءوه بتخفيف الهاء وضمها فإنهم وجهوا معناه إلى : ولا تقربوا النساء في حال حيضهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويطهرن . وقال بهذا التأويل جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن مهدي ومؤمل ، قالا : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ قال : انقطاع الدم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن سفيان أو عثمان بن الأَسود : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ حتى ينقطع الدم عنهن . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد الله العتكي ، عن عكرمة في قوله : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ قال : حتى ينقطع الدم . وأما الذين قرءوا ذلك بتشديد الهاء وفتحها ، فإنهم عنوا به : حتى يغتسلن بالماء وشددوا الطاء لأَنهم قالوا : معنى الكلمة : حتى يتطهرن يطهرن أدغمت التاء في الطاء لتقارب مخرجيهما . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ : " حتى يطهرن " بتشديدها وفتحها ، بمعنى : حتى يغتسلن ، لإِجماع الجميع على أن حراما على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر مقاربة الحائض . وإنما اختلف في التطهر الذي عناه الله تعالى ذكره ، فأحل له جماعها ، فقال بعضهم : هو الاغتسال بالماء ، ولا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل جميع بدنها . وقال بعضهم : هو الوضوء للصلاة . وقال آخرون : بل هو غسل الفرج ، فإذا غسلت فرجها فذلك تطهرها الذي يحل به لزوجها غشيانها . فإذا كان إجماع من الجميع أنها لا تحل لزوجها بانقطاع الدم حتى تطهر ، كان بينا أن أولى القراءتين يطهرن بالصواب أنفاهما للبس عن فهم سامعها ، وذلك هو الذي اخترنا ، إذ كان في قراءة قارئها بتخفيف الهاء وضمها ما لا يؤمن معه اللبس على